ماذا لو لم يبعث محمد؟
كتب الشيخ والداعية الإسلامي المعروف د. عائض القرني، مؤلف كتاب “لا تحزن” الذائع الصيت، في جريدة الشرق الأوسط، بتاريخ 14 شباط/فبراير من العام 2008 التالي:
“أكتب هذه المقالة من باريس في رحلة علاج الركبتين وأخشى أن أتهم بميلي إلى الغرب وأنا أكتبُ عنهم شهادة حق وإنصاف، ووالله إن غبار حذاء محمد بن عبد الله صلعم أحب إلي من أوروبا وأمريكا مجتمعتين. ولكن الاعتراف بحسنات الآخرين منهج قرآني، يقول تعالى: “ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة”، وقد أقمت في باريس أراجع الأطباء وأدخل المكتبات وأشاهد الناس وأنظر إلى تعاملهم فأجد رقة الحضارة، وتهذيب الطباع، ولطف المشاعر، وحفاوة اللقاء، حسن التأدب مع الآخر، أصوات هادئة، حياة منظمة، التزام بالمواعيد، ترتيب في شؤون الحياة، أما نحن العرب فقد سبقني ابن خلدون لوصفنا بالتوحش والغلظة، وأنا أفخر بأني عربي؛ لأن القرآن عربي والنبي عربي، ولولا أن الوحي هذّب أتباعه لبقينا في مراتع هبل واللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى. ولكننا لم نزل نحن العرب من الجفاء والقسوة بقدر ابتعادنا عن الشرع المطهر، نحن مجتمع غلظة وفظاظة إلا من رحم الله، فبعض المشايخ وطلبة العلم وأنا منهم جفاة في الخُلُق، وتصحّر في النفوس، حتى إن بعض العلماء إذا سألته أكفهرَّ وعبس وبسر…”
أيقظت مقالة الشيخ عايض الباريسية في الذاكرة اسم رفاعة الطهطاوي، ذلك الشيخ الأزهري الذي سافر مع بدايات القرن التاسع عشر إلى باريس ضمن بعثة علمية أرسلها الحاكم المستنير محمد علي باشا. سافر رفاعة إلى بلاد “الفرنجة” كما كان يحلو له أن يسميها، وهو لم يخبَر بلادا غير مصر، ولم يعرف ديناً سوى الإسلام. هناك في مدينة النور، خالط رفاعة الفرنسيين، وقرأ كتبهم واطلع على علومهم، وتحدث إليهم واستمع إليهم. عاد رفاعة إلى أرض المحروسة، يتأبط إسلاما متفتحاً يؤمن بالعلم والعقل لا بالعنعنة والنقل، ويحمل إسلاما جديداً يرى المرأة شريكاً ونداً لا فتنة وعورة. وبالعودة إلى مقالة الشيخ عائض، فمن النادر أن تهج حمامات سلام من أكمام حروف شيخ سلفي، ومن النادر أن يتحول سيف شيخ سلفي إلى وردة. لا أقصد الشيخ عائض تحديداً، بل اعني غلاة السلفية والمتزمتين منهم. وبما أن الاعتراف المحتشم ببعض من فضائل الحضارة الغربية (الكافرة) قد يوحي لمريديه ومنتقديه بشيء من التخاذل، وببعض من الانبهار، فقد سارع الشيخ إلى التأكيد على أن غبار حذاء نبيه أحب إلى قلبه من أوروبا وأمريكا مجتمعتين. هذا عن قيمة الغبار المنثور في الفضاء…فكم ستساوي عند فضيلته قيمة الحذاء المحمدي إذاً؟!
ما حرضني على كتابة هذا الردّ، ما سطره شيخنا الجليل بقوله أنه لولا الوحي المرسل إلى النبي لبقينا عاكفين على عبادة هبل واللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى. إن الربط بين انبلاج (نور النبوة) وأفول عبادة الأصنام بالتأكيد هو مسلمة تاريخية لدى كل مسلم، بل هو حجر الزاوية في البناء العقدي للمسلم. والحق أن معظم المسلمين يؤمنون بما هو أكثر من ذلك. فلولا محمد لما عرفنا فضل السواك على معجون الأسنان. ولولاه صلعم لما عرفنا أن المرأة في الأصل كانت ضلعاً أعوج. ولولاه صلعم لما عرفنا بأن أكثر أهل النار هم من النساء. ولولاه صلعم لما عرفنا أن من يتخلف عن صلاة الفجر فإن الشيطان قد بال في أذنه. ولولاه صلعم لما عرفنا أن الشمس وهي تسيل وراء الأفق قد ذهبت لتسجد تحت العرش. ولولاه صلعم لما عرفنا أن الحجر سينطق وينادي المسلم في آخر الزمان حتى يجهز على اليهودي المختبئ وراءه ولولاه صلعم لما عرفنا كيف نقف، وكيف نجلس، وكيف ننام، وكيف نأكل، وكيف نشرب، وكيف نضحك، وكيف نحزن، وكيف…وكيف…؟
لنطرح كل هذا جانباً، ولنقف على مسألة علاقة صعود ديانة الإسلام بسقوط عبادة الأصنام. هناك نقطتان جديرتان بالطرح. وهي تبقى في آخر المطاف مجرد اجتهادات بشرية قابلة للنقاش، وليست بحقائق مطلقة، لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها.
أولاً: قبل ولادة الإسلام، كانت جزيرة العرب عامة، ومكة خاصة، وطناً يضج بالديانات على اختلاف ألوانها الأرضية والسماوية. كانت مكة أشبه بلوحة فسيفساء فريدة لما حوته من أديان وعقائد، عاشت جنباً إلى جنب في سلام وأمان. ومما يؤكد على وجود هذا التنوع الديني والتسامح العقائدي أن كتب التاريخ وأخبار الرواة لم تحدثنا عن معارك دارت، ودماء سالت، من أجل نصرة إله ما على إله آخر. ويخطئ الكثير منا عندما يظن أن قريش أدارت ظهرها لإله الإسلام من أجل عيون هبل والعزى ومناه. الحقيقة أنهم كانوا يعرفون من هو الله، ويؤمنون به كإله أكبر، وأكبر دليل على ذلك أن الكثير من الأشخاص حملوا أسم “عبد الله”، وكان منهم والده صلعم. إلا أنهم كانوا يتزلفون إلى هذا اللامرئي البعيد بآلهة أرضية لتشفع لهم عند هذا المتعالي وراء السماء السابعة. فضلاً عن ذلك، فقد كانت آلهة قريش مجرد أبقار حلوب تدر على سادة قريش المال الوفير لكون مكة قبلة الحجاج ومهوى القلوب. ومما يذكر بهذا الخصوص أن الصحن المكي كان يزدحم بثلاثمائة وستين صنماً، إلى جانب صورة المسيح ومريم العذراء المعلقتين في جوف الكعبة.
أما إذا تركنا مكة، فسنجد اليهودية وقد استقرت في يثرب وخيبر. ولم يكن اليهود فاعلين دينياً أو سياسياً لانشغالهم في تعاطي التجارة والزراعة والحرف اليدوية، دون أن ننسى أن اليهودية بطبعها ديانة منكفئة على ذاتها، ولا تطمح إلى اكتساب أتباع جدد. أما المسيحية فقد كانت أكثر نشاطاً من اليهودية في تنصير المؤمنين. ويذكر أن العديد من القبائل قد دانت بالمسيحية، ومنها قبائل طي وبني عذرة. وهناك الحنيفية، وهي ديانة توحيدية قد لطش الإسلام أفكارها وطقوسها فيما بعد. ومن أمثلة التصورات والطقوس الحنيفية والتي تم فيما بعد أسلمتها: عبادة الله لا شريك له، حج البيت الحرام، صوم رمضان، الختان، تحريم الربا، تحريم أكل الخنزير، تحريم وأد البنات، وما إلى ذلك من ممارسات تجد صداها في الدين الإسلامي. إنَّ ما يفرق الحنيفية عن باقي الديانات الأخرى أنها كانت ذات طابع نخبوي يجتذب فئة محددة من المثقفين، أمثال قس بن ساعدة، زيد بن نفيل، عبد الله بن أبي الصلت، حبيب بن ثمامة (رحمان اليمامة أو ما يعرف في الكتابات الإسلامية بمسيلمة الكذاب)، وعبد المطلب بن هاشم جده صلعم. زبدة الكلام، إن القول بأنّ الجزيرة كانت أرضاً للأوثان فقط فيه كثير من التجني على حقائق التاريخ والتجاهل لما عرفته المنطقة من تعددية الأديان والتعايش السلمي فيما بينها قبل أن يمحى كل هذا مع سيادة الإسلام.
ثانياً: العقائد الدينية نتاج تطورات مجتمعية وفكرية وسياسية واقتصادية، وليست بمادة عصية على التغيير والتحول. انظر إلى حال الديانات الوثنية في بلاد الشرق الأدنى وتقلباتها وديناميكيتها وتعاقب آلهتها. إن العقل البشري الذي تصور قبل قرون أن انحباس المطر واحتضار الأرض يعود إلى مقتل الإله “بعل” على يد الإله الشرير “موت”، وأن انسكاب مياه الغيوم واحتفاء الأرض (الأم) بماء الغيم (مني السماء) يرجع إلى مصرع الإله “موت” وطحنه وذر رماده في الحقول الظمآنة على يد “عناه” المحاربة وأخت “بعل” المفجوعة بموت أخيها الشاب أبي الغيث، أقول أن هذا العقل ما عاد اليوم يصدق هذه الأساطير بعد كل هذه الفتوحات المعرفية والاكتشافات العلمية. إن الرياح تحفر أجساد الجبال وتنقش وجه الصخور الصلدة، فهل يعقل أن تبقى اللات والعزى ومناة الثالثة صامدة أمام أمواج التغيير طيلة هذه القرون؟ ومما يعضد ما أشرت إليه، أن سعيد بن العاص عندما حضرته المنية راح يبكي، فقال له أبو لهب: ما يبكيك؟ أمن الموت تبكي؟ فقال له ابن العاص: لا، ولكني أخاف ألا تعبد العزى من بعدي. إن مخاوف ابن العاص على مستقبل عبادة الأصنام ليست بسبب التهديد الإسلامي المنتظر، ولكن لتراجع الحياة الدينية عند المكيين المنطلقين بقوة عبر الآفاق في بناء مدينة اقتصادية ثرية، تشبه إلى حد كبير دبي أو هونج كونج هذه الأيام. ومن القصص المتداولة عن بروز ظاهرة احتقار الأصنام، ما قام به الشاعر امرئ القيس الذي سب الصنم، وكسر القداح في وجهه. كما كان لبني ملكان بن كنانة صنم، يقال له “سعد”، فأقبل رجل من بني ملكان بإبل له مؤبلة ليقفها عليه التماس بركته، فلما رأته الإبل نفرت منه فذهبت في كل وجه، فغضب الملكاني، فأخذ حجرا فرماه به، ثم أنشد قائلاً:
أتينا إلى سعد ليجمع شملنا *** فشتتنا سعد فلا نحن من سعد
إن الإيحاء المتكرر بأن عبادة الأصنام كانت غائصة في أعماق المجتمع العربي، و متغلغلة في تلافيفه الروحية هو بهدف تضخيم دور الإسلام، وتعظيم انتصاره الوهمي على عبادة الأوثان، والتي في رأيي أنها كانت مثل أوراق الخريف الصفراء، لو لم يزحزحها الإسلام فإن الزمان والتطور البشري كفيلان بالإطاحة بها. إن محاولات مشائخ الإسلام المستميتة في تمجيد شخصيات الإسلام الأولى، ورفعها إلى عنان السماء، يدفعها – وربما بلا قصد – إلى أبلسة خصوم تلك المرحلة، وتزويدها بقوى استثنائية حتى يكون للانتصار الإسلامي لوناً لافتاً ومذاقاً خاصاً، وهذا ما يمكن تلمسه من خلال تهويل الدور الذي لعبته الأوثان في حياة العرب. الأسوأ من هذا كله، أن هذا السلوك الفكري المسعور لشيوخ الإسلام ينطوي ضمناً على تقزيم ذواتنا، نحن أبناء هذا الزمان، أي مثلنا مثل البهائم لا نعرف أبسط الأشياء وكل ما نعرفه هو الأكل والشرب والتناسل، وكأننا ما كنا لنعرف شيئا لولا (النور والهدى) الذي أتحفنا به ذلك الدين المحمدي الصلعمي. وبالتالي نستنتج أن ما ذهب إليه القرني كان مجرد “بروبغاندا غوبلزية” للترويج لبضاعة محمد الفاسدة.


